سيد محمد طنطاوي
310
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعبر - سبحانه - عن عمل الإنسان بطائره ، لأن العرب كانوا - كما يقول الآلوسي - يتفاءلون بالطير ، فإذا سافروا ومر بهم الطير زجروه ، فإن مر بهم سانحا - أي من جهة الشمال إلى اليمين - تيمنوا وتفاءلوا ، وإن مر بارحا ، أي : من جهة اليمين إلى الشمال تشاءموا ، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر ، استعير استعارة تصريحية ، لما يشبههما من قدر اللَّه - تعالى - وعمل العبد ، لأنه سبب للخير والشر « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( فِي عُنُقِه ) * تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط بين الإنسان وعمله . وخص - سبحانه - العنق بالذكر من بين سائر الأعضاء ، لأن اللزوم فيه أشد ، ولأنه العضو الذي تارة يكون عليه ما يزينه كالقلادة وما يشبهها ، وتارة يكون فيه ما يشينه كالغل والقيد وما يشبههما . قال الإمام ابن كثير : وطائره : هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس ومجاهد ، وغير واحد - من خير أو شر ، يلزم به ويجازى عليه : كما قال - تعالى - : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ، ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه . وكما قال - تعالى - : إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه ، قليله وكثيره : ويكتب عليه ليلا ونهارا ، صباحا ومساء « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( ونُخْرِجُ لَه يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه مَنْشُوراً ) * بيان لحاله في الآخرة بعد بيان حاله في الدنيا . والمراد بالكتاب هنا صحائف أعماله التي سجلت عليه في الدنيا . أي : ألزمنا كل إنسان مكلف عمله الصادر عنه في الدنيا ، وجعلناه مسؤولا عنه دون غيره . أما في الآخرة فسنخرج له ما عمله من خير أو شر « في كتاب يلقاه منشورا » أي : مفتوحا بحيث يستطيع قراءته ، ومكشوفا بحيث لا يملك إخفاء شيء منه ، أو تجاهله ، أو المغالطة فيه . كتاب ظهرت فيه الخبايا والأسرار ظهورا يغنى عن الشهود والجدال . كتاب مشتمل على كل صغيرة وكبيرة من أعمال الإنسان ، كما قال - تعالى - : ونَضَعُ
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 31 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 47 .